يرى جيسون ريفلر أن المزاج العام في الولايات المتحدة وأوروبا يميل بوضوح إلى رفض الحرب على إيران بعد نحو شهر من اندلاعها، حيث تعكس استطلاعات الرأي معارضة واسعة لأي تدخل عسكري، وهو ما ينسجم مع أنماط مدروسة في علم السياسة حول دعم الحروب.
تنقل ذا كونفرزيشن أن هذا الرفض لا يأتي صدفة، بل يرتبط بغياب الأسس التقليدية التي تدفع الرأي العام لتأييد استخدام القوة، سواء داخليًا أو دوليًا.
غياب الهدف الواضح
يرتبط دعم الحروب عادة بوضوح الهدف، لكن تطرح إدارة ترامب مبررات غير محددة بدقة. يفشل الخطاب الرسمي في إقناع الجمهور بوجود تهديد وشيك من إيران، مثل امتلاك سلاح نووي أو خطر مباشر.
تؤكد الاستطلاعات أن غالبية المواطنين لا ترى مبررًا مقنعًا للحرب. ومع أن الحديث عن تغيير النظام ظهر كهدف محتمل، لا يظهر الناخبون حماسًا لفكرة إعادة تشكيل أنظمة دول أخرى، خاصة مع تجارب سابقة لم تحقق نتائج مستقرة.
غموض معنى “الانتصار”
يعقّد غياب الهدف مسألة تعريف النجاح. تستطيع الضربات الجوية إضعاف البنية التحتية أو تعطيل برامج عسكرية، لكنها لا تقضي على المعرفة التقنية التي تسمح بإعادة البناء.
تثير فكرة تغيير النظام إشكاليات أعمق؛ فإسقاط القيادة لا يعني بناء نظام مستقر يخدم المصالح الأمريكية. تظل طبيعة النظام البديل، والقوى التي ستسيطر عليه، مجهولة بالكامل.
يحذر التحليل من سيناريوهات فوضوية شبيهة بما حدث في ليبيا, حيث يؤدي الصراع بين الفصائل إلى عدم استقرار طويل الأمد. كما يحمل تفكيك مؤسسات مثل الحرس الثوري مخاطر كبيرة، إذ قد يخلق فراغًا أمنيًا أو يفاقم التهديدات بدلًا من احتوائها.
أزمة الشرعية والدعم
تثير الحرب تساؤلات حادة حول شرعيتها. يعتمد المواطنون عادة على مؤسساتهم السياسية لتحديد مشروعية استخدام القوة، لكن الإدارة الأمريكية لم تنجح في بناء توافق داخلي أو الحصول على تفويض واضح. على المستوى الدولي، يغيب الدعم متعدد الأطراف، خاصة عبر مؤسسات مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. تعلن دول حليفة مواقف متحفظة أو معارضة، مثل كير ستارمر، ما يضعف شرعية الحرب عالميًا.
يعكس المشهد انقسامًا داخليًا حادًا في الولايات المتحدة؛ يدعم الجمهوريون الحرب بدرجات متفاوتة، بينما يعارضها الديمقراطيون والمستقلون بأغلبية واضحة، ما يجعل قاعدة الدعم ضيقة وهشة.
ماذا بعد؟
يرجّح أن تتغير مواقف الرأي العام مع تطورات الميدان. قد يؤدي تصعيد إيراني ضد حلفاء واشنطن إلى زيادة التأييد، أو قد تظهر معارضة داخلية إيرانية توحّد صفوفها حول بديل سياسي. لكن هذه السيناريوهات تبقى غير مؤكدة.
في المقابل، تبدو احتمالات التعقيد والتصعيد مساوية أو أكبر. يؤدي غياب أهداف واضحة ومؤشرات نجاح قابلة للقياس، إلى تآكل الدعم بمرور الوقت.
يتجاوز الخطر حدود الشعبية السياسية للحرب؛ إذ يهدد تجاهل القيود المؤسسية—مثل التفويض التشريعي أو الشرعية الدولية—بإضعاف قواعد النظام الدولي. وعندما تتجاوز دولة كبرى هذه القيود، تفتح الباب أمام دول أخرى لتكرار السلوك نفسه، ما يدفع العالم نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
في النهاية، ترسم هذه الحرب صورة صادمة: قوة عسكرية بلا بوصلة واضحة، ونفوذ سياسي بلا إجماع، وصراع قد يطول دون نهاية محددة.

